الشيخ رحيم القاسمي

29

درة الصدف فيمن تلمذ من علماء اصفهان بالنجف

ونهاية الاهتمام في ترويج الدين والشريعة ، مع اختلاف درجاتهم في صفاتهم الحسنة وأخلاقهم المستحسنة ، إلا أنّ اجتماع هذه الخصال المذكورة قلّما اتّفق لأحد منهم ، أو لم يتفق في الحقيقة . فإنّ إجراء الحدود وإقامة القصاص وطلب الدماء كما ينبغي لم يتّفق لغيره من العلماء من عهد سيد الأوصياء إلي زماننا هذا ، وكذلك البذل بمثل بذله ، والعطاء شبيه عطائه ، والبناء نظير بنائه ؛ فإنّ مسجده الذي أبدعه في محلة بيدآباد أصفهان لم يقدر علي بناء مثله إلا السلطان . وكذلك إقدامه علي الأمور الجليلة وتصدّيه للمهمات المشكلة . ولعظم شأنه وعلوّ همّته وسموّ رتبته ، عظّمه ورعي حرمته وأجري أحكامه ونفذ أمره السلطان المبرور والخاقان المغفور فتح علي شاه قاجار ، مع ملاقه نحواً من أربعين سنة من ملكه لجمع كثير من العلماء وجمّ غفير من الفضلاء من العرب والعجم . فبلغ من إعزازه له أنّ أكثر ما ورد أصفهان في جلاله وخدمه وحشمه سبق إلي لقائه وزيارته ، وكذلك أبنائه وأحفاده وأمناء دولته عظموا ورعوا احترامه حقّ الاحترام ، ولجئوا إليه في المهامّ والمطالب العظام ، بل عظّمه كثير من السلاطين وأمراء الفرق المخالفة كالروم والروس والهند والسند والترك والأفاغنة . وكان رحمه الله جامعاً لأنواع من العلوم ، كالنحو والبيان واللغة والرياضي والحكمة والتفسير والأصول والحديث والدراية ، ماهراً في الاجتهاد والفقاهة علي سبك خاصّ مختصّ به ، لم يكن مولعاً بالأصول ولا معرضاً عنها ، كما أنّ خير الأمور أوسطها ، بالغاً جهده في استناد الأحكام الشرعية ولو في الفروع الخفية والمسائل المستحدثة إلي الأخبار والروايات بأقسامها حتى الضعيفة المنجبرة ، مكثراً من تتبّع أقوال الفقهاء وآرائهم ، مصرّاً في توجيه المنظور فيه من فتاويهم ، حاذقاً في علم الرجال ، مسلطاً في استعلام أحوال الرواة المختلف فيهم والمجهولين . ويشهد بذلك بعض رسائله الرجالية ، مع ما يظهر من مطاوي مجلدات كتاب مطالع الأنوار التي لم يصنّف في فقه الإمامية مثلها من قديم الزمان إلي هذه الأزمنة . وكان رحمه الله مروّجاً للعلماء ، مربّياً لطلاب العلوم بأحسن تربية ، كفيلًا لأمورهم من